اغناطيوس يوليانوفتش كراتشكوفسكي ( تعريب : عثمان هاشم )

198

تاريخ الأدب الجغرافي العربي

فعالا في هذا الصدد مواطن لدى خويه من المعاصرين لنا ، أعنى بهذا كرامرس Kramers الذي ندين له في الأعوام الأخيرة نمجهود جبار في إلقاء ضوء على هذه المسألة التي ما تزال على الرغم من كل ذلك مستعصبة على الحل . ومما يزيد في وعورة المسألة قلة المعلومات عن المؤلفين أنفسهم . فالمؤلف الأول ، أي الذي لم يصلنا كتابه بطريقة مباشرة ، هو الوحيد الذي توجد لدينا عنه بعض المعلومات الصحيحة . وعلى النقيض من ذلك الوضع مع المؤلفين الآخرين اللذين وصل إلينا مصنفاهما ، فإنه لم يمكن العثور إلى الآن على أية أخبار عنهما في المصادر الموجودة بين أيدينا . والمصنف الذي تبدأ به هذه السلسلة ندين به إلى عالم معروف لعصره هو أبو زيد أحمد بن سهل البلخي الذي ولد حوالي عام 235 ه - 850 بإحدى قرى بلخ وبدأ نشاطه كمعلم ثم اضطره الاهتمام بدراسة العلوم الشرعية إلى القيام برحلة إلى بغداد مركز الحضارة آنذاك فأقام بها ثماني سنوات أدى في خلالها على ما يبدو فريضة الحج ؛ ولم تلبث ميوله أن اتخذت اتجاها مغايرا لما كان عليه الحال في شبابه فقد وقع تحت تأثير الفيلسوف المعروف الكندي ( توفى بعد عام 256 ه - 870 ) وأصبح من ألزم تلامذته به . وهكذا مر البلخي على نفس المدرسة التي مر بها السرخسي من قبل ، وهو أحد مؤلفي المصنفات الجغرافية المعروفين لنا . وعند رجوعه إلى بلخ لم يغادرها مرة أخرى واشتغل خاصة بمسائل الفلك والفلسفة كأستاذه الكندي وضعف لديه الاهتمام بعلوم الشريعة ، بل ثار الشك حينا في صحة عقيدته . وقد حدث أن قامت بينه وبين الجيهانى الجغرافي وزير السامانيين علاقة وطيدة حتى نصحه الأخير بالمجىء إلى بخارى ولكنه امتنع . وشغل البلخي فترة من الزمن وظيفة كاتب لأمير بلخ أحمد بن سهل ( حوالي عام 307 ه - 919 - 920 ) الذي لم يحكم لوقت طويل ؛ وكان البلخي بوجه عام يعتبر نفسه عالما وأديبا من المشتغلين بالتأليف ؛ وارتبط اسمه بما يقرب من ستين مصنفا لا نعرف منها إلا أسماءها ، أو وجدت في مخطوطات نادرة لم تفحص بعد . أما المصنف الضخم « كتاب البدء والتاريخ » الذي نسبه ناشره الأوروبى في بداية الطبعة إلى البلخي نتيجة لسهو ساقته إليه بعض المصادر فقد وضح بالتالي أنه من وضع مؤلف عاش في آخر القرن العاشر هو مطهر بن طاهر المقدسي . وفي شيخوخته وذلك حوالي عام 308 ه - 309 ه - 920 - 921 وضع البلخي مصنفه في الجغرافيا الذي تختلف أسماؤه باختلاف المصادر ، فهو مرة « صور الأقاليم » وحينا « أشكال البلاد » وتارة « تقويم البلدان » ؛ - - وهذا التباين في العنوان يدل على أن الكتاب لم يكن فيما يبدو معروفا في صورته الأصلية حتى في العهد القريب من عهد المؤلف . وهو يمثل شيئا أشبه بالأطلس مصحوبا ببعض التوضيحات ، ويمكن الحكم عليه من ألفاظ المقدسي الذي عاش بعد ذلك بنحو نصف قرن والذي لا تزال ألفاظه هذه مصدرنا الأساسي للتعريف بكتاب البلخي : « وأما أبو زيد البلخي فإنه قصد بكتابه الأمثلة وصورة الأرض بعد ما قسمها على عشرين جزءا